أين تنتهي مسؤوليتك؟

 حكمة التخلي وحدود التغيير: أين تنتهي مسؤوليتك؟

لماذا نتوقف أحيانا عن محاولة تغيير الأشياء من حولنا؟

هل يكون السبب هو:

 اليأس؟

أم التعب؟

أم أننا نكتشف، بعد محاولات طويلة، أن بعض الناس لا يريدون أن يتغيروا، ليس لأنهم لم يفهموا، وإنما لأن بقاءهم على ما هم عليه يحقق لهم مصلحة؟

 ماذا لو كان ما أراه فسادا هو في الحقيقة اختلاف في الرؤية؟

وماذا لو كنت أريد الوصول إلى نتيجة صحيحة، لكنني اخترت الطريق الخطأ إليها؟

ربما تكون الحكمة الحقيقية في الإصلاح أن نمتلك الشجاعة لمحاولة تغيير ما نراه خطأ، والشجاعة نفسها للتوقف ومراجعة أنفسنا.

عندما تصبح المصلحة أقوى من الحجة

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن كل خلاف سببه أننا مخطئون.

هناك حالات يكون فيها الأمر أوضح.

هناك من يرفض الحقيقة لأنه لا يعرفها،

وهناك من يرفضها لأنه لا يريد أن يعرفها.

وهناك من يخطئ لأنه لم يجد من يرشده،

وهناك من يعرف الخطأ جيدا لكنه يستفيد منه.

وهنا تصبح محاولات الإقناع أكثر صعوبة.

فالإنسان الذي يستفيد من وضع معين قد لا يكون مستعدا لتغييره لمجرد أنك أثبت له أنه غير صحيح.

أنت تناقش الفكرة، بينما هو يحسب ثمن التخلي عنها.

وقد تقدم له عشرات الحجج،

لكنه لا يحتاج إلى حجة جديدة،

وإنما يحتاج إلى إرادة مختلفة.

وفي هذه الحالة، قد يصل الإنسان إلى لحظة يدرك فيها أن استمرار النقاش لن يغير شيئا.

ليس لأن حجته ضعيفة بالضرورة،

وإنما لأن الطرف الآخر لم يعد يناقش بحثا عن الحقيقة.

 حتى الأنبياء لم يملكوا نتائج دعوتهم ،

نوح عليه السلام دعا قومه زمنا طويلا،

وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى عليهم السلام

واجهوا أقواما رفضوا دعوتهم،

كانت مهمتهم البلاغ والنصح وإقامة الحجة، أما الهداية والنتيجة فليستا بأيديهم.

وهنا يظهر فرق بالغ الأهمية:

نحن مسؤولون عن السعي، ولسنا مسؤولين عن النتائج التي لا نملكها.

قد تنصح ولا يستجيب الآخر.

وقد تشرح ولا يقتنع.

وقد تفعل الصواب ولا ترى أثره.

وقد تزرع شيئا ولا تكون أنت من يحصد ثماره.

وهذا لا يعني بالضرورة أن المحاولة كانت فاشلة.



لكن متى يكون التوقف عن المحاولة حكمة؟

الإصرار فضيلة عندما يكون له معنى.

أما تكرار المحاولة نفسها، مع الشخص نفسه، وبالطريقة نفسها، وانتظار نتيجة مختلفة، فقد يتحول إلى استنزاف.

هناك وقت ينبغي فيه للإنسان أن يسأل:

هل ما أفعله ما زال مفيدا؟

هل أغير شيئا بالفعل؟

هل تغيرت الظروف؟

هل تغيرت طريقتي؟

هل استنفدت الوسائل المشروعة؟

هل المشكلة في الآخرين، أم أنني أستخدم الوسيلة الخطأ؟

وأحيانا تكون الإجابة الصادقة: لا أعلم.

وهذه ليست إجابة ضعيفة.

بل ربما تكون أكثر الإجابات نضجا.

فالإنسان لا يحتاج إلى أن يملك تفسيرا لكل شيء حتى يعرف متى يتوقف.

أحيانا لا تكون المشكلة في الهدف، وإنما في الطريق.

قد يكون الإنسان يريد إصلاح ، فيختار الصدام.

وقد يريد إقناع شخص، فيستخدم الضغط.

وقد يريد الدفاع عن حق، فيتحول دفاعه إلى خصومة.

وقد يريد مقاومة الخطأ، فيسمح للغضب أن يجعله يرتكب خطأ آخر.

وقد يكون من الحكمة أحيانا أن نتوقف، ليس لأننا تخلينا عن المبدأ، وإنما لأننا نحتاج إلى إعادة النظر في الطريقة.

ترك الأمر ليس استسلاما

هناك فرق كبير بين التوكل والاستسلام.

إنه الاستسلام  أن نقول : "لا فائدة من شيء، ولذلك لن أفعل شيئا."

أما التوكل ففي فعل ما تستطيع، ومراجعة نفسك، وسلك الطريق الذي تراه صحيحا، ثم أترك ما لا تستطيع لله

وهذا فرق جوهري.

إذا كان بإمكانك أن تنصح، فانصح

إذا كان هناك طريق للإصلاح، فاسلكه

إذا كان بإمكانك أن تمنع نفسك من المشاركة في الخطأ، فافعل

لكن عندما تنتهي قدرتك، لا تجعل عجزك عن تغيير الآخرين يتحول إلى عذاب لنفسك

أنت مسؤول عن موقفك، لا عن إرادة غيرك

لكن لا تجعل انتظار العقوبة بديلا عن الإصلاح

فقد يبدأ الإنسان من موقف صحيح، ثم يتحول داخله إلى انتظار لسقوط الآخرين:

"سيأتي يوم يعرفون فيه."

"سيرون نتيجة أفعالهم."

"سيريهم الله قدرته."

لا تنتظر العقوبة

لأنه قد يحدث ذلك، وقد لا نراه نحن، وقد يأتي الجزاء بطريقة لا نتوقعها

لا تضع راحتك النفسية معلقة برؤية الآخرين يعاقبون

فلست بحاجة إلى أن ننتظر العقوبة حتى تطمئن إلى أن الحق حق

والإنسان الذي فعل ما عليه يستطيع أن يمضي دون أن يحمل في قلبه رغبة رؤية الحساب أو العواقب

وربما يكون التغيير الحقيقي قد بدأ فينا

قد نقضي سنوات نحاول تغيير الآخرين، ثم نكتشف أن فائدة التجربة كانت فينا نحن.

تعلمنا منها الصبر

وعلمتنا أن الناس ليسوا نسخا منا

وعلمتنا أن حسن النية لا يكفي

وعلمتنا أن الحقيقة تحتاج إلى حكمة في عرضها

وعلمتنا أن القوة ليست في أن تنتصر في كل نقاش

وعلمتنا اننا لسنا دائما على صواب

ليس المقصود أن نشك في يقيننا ، وإنما أن تكون لدينا شجاعة المراجعة.

هذه القدرة لا تضعف الإنسان.

بل تحميه من أن يتحول يقينه إلى عناد.

وفي النهاية ربما عندما نكون قد فعلنا ما نستطيع، واستنفدنا الوسائل المعقولة،

وراجعنا أنفسنا،

وتأكدنا أننا لم نظلم أحدا في حكمنا،

ثم لم يعد في أيدينا شيء آخر.

عندها يمكن أن نقول بهدوء: لقد فعلت ما أستطيع.

لا يعني ذلك أنك اقتنعت بالخطأ.

ولا يعني أنك أصبحت عاجزا عن رؤية الظلم.

ولا يعني أنك تخلت عن مبادئي.

بل يعني أنني أدركت حدود قدرتي.

وسأترك ما يتجاوز هذه الحدود لله.

ربما لا يكون السؤال: هل نجحت في تغييرهم؟

هل بقيت على ما أؤمن به وأنا أحاول؟

هل أصبحت مثلهم لأنني تعبت من مقاومتهم؟

هل بدأت أبرر الخطأ لأنني لم أستطع تغييره؟

هل فقدت مبادئي لأن الآخرين لم يلتزموا بها؟

هل أصبح غضبي من الخطأ سببا في ارتكاب خطأ آخر؟

إذا كانت الإجابة لا، فقد حققت شيئا مهما، حتى لو لم يتغير أحد.

لأن الإصلاح لا يبدأ دائما بتغيير الآخرين.

أحيانا يكون أول انتصار فيه هو:

ألا يسمح لك فساد الآخرين بأن يفسدك أنت.

في النهاية

ربما لا تكون الحكمة في أن نستمر في طرق الباب إلى الأبد.

وليست الحكمة أيضا أن نلقي المفاتيح ونقول: لا فائدة.

الحكمة ربما تكون في أن نطرق الباب حين يكون للطرق معنى،

وأن ننصح حين تكون النصيحة نافعة،

وأن نسلك الطريق المشروع حين يكون متاحا،

وأن نراجع أنفسنا في كل مرحلة،

ثم، عندما تنتهي قدرتنا، نمضي.

ليس يأسا.

وليس استسلاما.

بل توكلا.

نحن لا نملك قلوب الناس،

ولا نملك نتائج أفعالنا كلها،

ولا نعرف دائما الصورة الكاملة.

نملك فقط أن نحاول بصدق،

وأن نراجع أنفسنا بإنصاف،

وأن نتجنب أن نصبح جزءا من الخطأ الذي نحاول مقاومته.

فربما لا يكون التوقف عن محاولة التغيير علامة على أن الإنسان فقد الأمل.

ربما يكون أحيانا الحكمة أن تعلم أين تنتهي المسؤولة، وأين تبدأ حكمة الله.

اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلنا يا ربنا ممن قلت فيهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.


 منقول عن : 

https://www.facebook.com/share/p/14ka64Z9cLw/

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خريطة للتصورات البشرية عما بعد الموت A Map of Human Conceptions of the Afterlife

الإشعاع في أمن المطارات Radiation in airport security