الرسام وثلاثة دروس
يحكى أن رساما أمضى أياما طويلة في رسم لوحة، وبذل فيها كل ما تعلمه من فن وخبرة، حتى خرجت كما أراد.
وضع اللوحة في أحد الميادين المزدحمة، ثم انصرف.
وفي اليوم التالي عاد، فلم يجد اللوحة.
سأل أصحاب المتاجر القريبة عنها، فقيل له إنها اختفت بعد ساعات من وضعها، ولا يعلم أحد من أخذها.
لم يستسلم الرسام، بل رسم اللوحة مرة أخرى، ولكن هذه المرة رسمها على جدار عام حتى لا يستطيع أحد أخذها.
وكتب بجانبها عبارة قصيرة:
"من يرى خطأ في هذه اللوحة، فليشر إليه."
ووضع بجوارها قلما يمكن إزالة أثره بسهولة.
ثم غادر المكان.
عاد في المساء، فوجد اللوحة مليئة بالدوائر والخطوط والأسهم. لم يكد يترك جزء فيها إلا وأشار إليه أحد. هذا كتب أن الظل غير صحيح، وآخر رأى أن النسب تحتاج إلى تعديل، وثالث وضع دائرة حول لون لم يعجبه، ورابع أضاف ملاحظة مختلفة.
نظر الرسام إلى اللوحة طويلا، ثم قال:
"وهذا هو الدرس الثاني. الإشارة إلى الخطأ أسهل بكثير من إصلاحه."
في صباح اليوم التالي محا جميع العلامات، وأحضر فرشا وألوانا، ووضعها بجوار الجدار، ثم كتب عبارة جديدة:
"من يرى خطأ في هذه اللوحة، فليتفضل بتصحيحه."
لكنه هذه المرة لم يغادر، بل جلس في مكان قريب يراقب الناس، حتى لا يكون غياب الأدوات أو الخوف من المساءلة عذرا لأحد.
توقف كثير من المارة، وقرأوا العبارة.
اقترب بعضهم، وتأمل اللوحة طويلا، وأخذ آخرون الفرش بين أيديهم، ثم أعادوها إلى مكانها.
ومضى الجميع، ولم يغير أحد في اللوحة شيئا.
عندها أدرك الرسام الدرس الثالث، وهو أهمها جميعا:
ليس كل من يكتشف خطأ يملك القدرة على إصلاحه، وليس كل من يملك القدرة يملك الشجاعة لتحمل مسؤولية الإصلاح.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع نقدا، لم يكن يسأل: "أين الخطأ؟"
بل كان يسأل سؤالا آخر:
"وكيف تقترح أن نصححه؟"
فبالرغم من أن إجياد العيب مهارة، إلا أن تقديم حل، وتحمل مسؤوليته هو ما يصنع الفارق بين الناقد وصاحب الأثر.