أزمة الهوية - الجزء الثالث
أزمة الهوية
الجزء
الثالث
من يملك الحقيقة:
الإنسان أم قاعدة البيانات؟
إذا وصلنا إلى هذه النقطة، فإن القضية لم تعد قضية حماية بيانات بالمعنى
الضيق، ولا قضية احتيال إلكتروني فحسب.
لقد أصبح لدينا سؤال أكثر أساسية:
عندما تختلف حقيقة
الإنسان عن ذاكرة النظام، أيهما تكون له الأولوية؟
المواطن يقول:
“لم أوقع على هذه المعاملة.”
“أنا لم أطلب هذا الخط.”
“أنا لم أحصل على هذا القرض.”
“أنا موجود وبياناتي صحيحة.”
والنظام يقول:
“تمت المصادقة من حسابك.”
“الخط مسجل باسمك.”
“القرض مرتبط برقمك القومي وحسابك.”
“لا توجد بيانات مطابقة.”
في كل هذه الحالات توجد حقيقة مادية يعرفها الإنسان عن نفسه، وحقيقة
إلكترونية تقولها المنظومة عنه.
وهنا لا ينبغي أن نسمح للرقمنة بأن تنتج قاعدة خطيرة مفادها:
“ما هو موجود في
النظام صحيح حتى يثبت العكس.”
لأن هذه القاعدة قد تحول الخطأ الإداري أو التقني إلى حقيقة قانونية مؤقتة، ثم تجعل المواطن هو
الطرف الذي يتحمل عبء تصحيحها.
السجل الرسمي ليس
معصوما من الخطأ
هناك ميل طبيعي إلى منح البيانات الحكومية أو المصرفية أو المؤسسية درجة
عالية من الثقة.
وهذا مفهوم.
فلا يمكن للدولة أو الاقتصاد الحديث أن يعملا إذا افترضنا أن كل قاعدة
بيانات خاطئة.
لكن الثقة لا تعني العصمة.
كل قاعدة بيانات أنشأها بشر، وأدخلها بشر، ونقلتها أنظمة، وعالجتها برامج،
وربطتها قواعد أخرى.
وبالتالي يمكن أن يحدث:
خطأ في الإدخال.
خطأ في النقل.
خطأ في المطابقة.
خطأ في الربط.
خطأ في تحديث
البيانات.
خطأ في تفسير
البيانات.
خطأ في الخوارزمية.
بل يمكن أن تكون كل قاعدة بيانات صحيحة منفردة، ومع ذلك ينتج عن ربطها استنتاج خاطئ.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالرقمنة لا تلغي
الخطأ البشري ، إنها في بعض الأحيان تضاعف نطاقه.
تشابه الأسماء:
عندما يصبح شخصان شخصا واحدا
هناك مشكلة قديمة اكتسبت خطورة جديدة مع قواعد البيانات الرقمية:
تشابه الأسماء.
في مجتمع كبير، من الطبيعي أن يتكرر الاسم.
وقد يتشابه شخصان في:
الاسم.
اسم الأب.
اسم الجد.
تاريخ الميلاد.
أو حتى بعض البيانات الأخرى.
في النظام الورقي، يمكن للموظف أن يلاحظ اختلافا في المستندات أو الصورة
أو العنوان.
لكن عندما تتعامل الخوارزمية مع عدد هائل من السجلات، فإن أي خطأ في
اختيار المفتاح الذي يميز الشخص عن غيره يمكن أن يؤدي إلى دمج شخصين مختلفين في هوية واحدة أو ربط بيانات أحدهما بالآخر.
وهنا يصبح الخطأ أخطر من مجرد خطأ إملائي.
قد ينتقل:
سجل مالي.
أو معاملة.
أو التزام.
أو إجراء قانوني.
أو سجل وظيفي.
إلى الشخص الخطأ.
وكلما زادت الأنظمة المرتبطة ببعضها، أصبح تصحيح الخطأ أكثر تعقيدا.
ماذا لو كانت
المشكلة في أكثر من قاعدة بيانات؟
افترض أن قاعدة بيانات “أ” تقول شيئا.
وقاعدة بيانات “ب” تقول شيئا آخر.
وقاعدة بيانات “ج” تحتوي على بيانات ثالثة.
وكل قاعدة تابعة لجهة رسمية أو مؤسسة موثوقة.
أيها الصحيح؟
هذه ليست مسألة تقنية فقط.
إنها مسألة حوكمة الهوية.
فإذا كان المواطن مطالبا بإثبات أن قاعدة بيانات ما خاطئة، فمن الذي يملك
سلطة التصحيح؟
وإذا صححت الجهة “أ” بياناتها، فهل تنتقل المعلومة تلقائيا إلى “ب” و”ج”؟
وإذا لم تنتقل، فهل يبقى المواطن مطالبا بمطاردة كل جهة على حدة؟
هنا تظهر مشكلة يمكن تسميتها: “دين
تصحيح البيانات”
أي أن خطأ واحدا في الأصل قد يولد سلسلة من الأخطاء في أنظمة أخرى، ثم
يصبح المواطن مطالبا بدفع تكلفة إصلاح السلسلة كلها.
الخطأ الذي يتكاثر
في العالم الورقي، يمكن أن ينتشر الخطأ، لكن انتشار البيانات كان محدودا
نسبيا.
أما في الأنظمة المترابطة، فقد تصبح العملية:
خطأ واحد
إلى
قاعدة بيانات
إلى
نظام آخر
إلى
قرار آلي
إلى
سجل جديد
إلى
قاعدة بيانات ثالثة
إلى
نتيجة جديدة
وهكذا.
بعد فترة قد يصبح من الصعب معرفة:
أين بدأ الخطأ؟
وهذا أخطر من مجرد وجود بيانات خاطئة.
لأن الخطأ قد يتحول إلى سلسلة من
الأدلة التي تؤكد بعضها بعضا بشكل زائف.
قاعدة بيانات تقول شيئا لأنها أخذته من قاعدة أخرى.
والثانية تقول الشيء نفسه لأنها أخذته من الأولى.
ثم تأتي جهة ثالثة فتقول:
“لدينا مصدران يؤكدان المعلومة.”
بينما المصدران في الحقيقة ليسا مستقلين.
هذه مشكلة كلاسيكية في أنظمة البيانات، لكنها تصبح شديدة الحساسية عندما
تكون البيانات متعلقة بهوية الإنسان وحقوقه.
هل وقعت أم أن
النظام يعتقد أنك وقعت؟
التوقيع مثال آخر على الخلط بين الهوية
والموافقة.
في العالم التقليدي، التوقيع يرتبط بفعل إرادي يقوم به الشخص.
أما في العالم الإلكتروني، فقد توجد أشكال مختلفة من التوقيع والمصادقة.
وقد يستخدم المواطن:
رمزا.
أو كلمة مرور.
أو شهادة رقمية.
أو بصمة.
أو التعرف على الوجه.
أو جهازا موثوقا.
أو حسابا إلكترونيا.
لكن علينا ألا نخلط بين هذه الوسائل وبين مفهوم التوقيع نفسه.
فإذا استخدمت البصمة لفتح تطبيق، فهذا لا يعني تلقائيا أنك وقعت على كل
شيء أجري داخل التطبيق.
وإذا وصلت رسالة إلى هاتفك، فهذا لا يعني أنك وافقت على مضمونها.
وإذا تم التعرف على وجهك، فهذا لا يعني أنك قصدت إنشاء التزام مالي.
وهنا يجب أن يكون لدينا فصل واضح بين:
المصادقةAuthentication
و
التفويضAuthorization
و
الموافقةConsent
و
التوقيعSignature
فهذه ليست كلمات مختلفة لشيء واحد.
عندما تصبح المصادقة
أقوى من الإرادة
قد نصل إلى وضع غريب:
النظام قادر على إثبات أنك أنت بدرجة عالية جدا.
لكنه غير قادر على إثبات أنك أردت
القيام بالفعل.
وهذا يقلب ترتيب الأولويات.
فالغاية النهائية من المصادقة ليست معرفة اسم الشخص فقط.
الغاية هي حماية حقوقه وإرادته
ومسؤوليته.
إذا أصبح النظام قادرا على إلزام الإنسان بمعاملة لأنه نجح في التعرف
عليه، فقد تحولت وسيلة الحماية إلى وسيلة لإنشاء المسؤولية.
وهذا أمر خطير.
لأن التكنولوجيا يجب أن تساعد في إثبات الإرادة، لا أن تستبدلها.
وماذا لو كان الشخص
تحت الإكراه؟
لنفترض أن شخصا استخدم بصمته أمام جهاز.
النظام أعتمد: مطابقة ناجحة.
لكن الشخص كان تحت تهديد.
تقنيا:
المصادقة = نجاح
Authentication = Success
لكن من الناحية الإنسانية والقانونية:
الموافقة محل شك
Consent is
Questionable
وهذا المثال يوضح لماذا لا تكفي البيومترية وحدها.
الوجه لا يعرف ما إذا كان صاحبه مكرها.
والبصمة لا تعرف ما إذا كان صاحبها مخدوعا.
والهاتف لا يعرف ما إذا كان صاحبه هو الذي ضغط الزر.
والرمز لا يعرف ما إذا كان صاحبه فهم نتيجة استخدامه.
التكنولوجيا تستطيع أن تثبت بعض الوقائع.
لكنها لا تستطيع، بمجرد المطابقة، أن تستبدل الإنسان في تقرير إرادته.
مشكلة “الموافقة
السريعة”
هناك أيضا مشكلة يومية أقل دراماتيكية، لكنها واسعة الانتشار.
يظهر على الشاشة: أوافق.
ويضغط المواطن.
ثم يكتشف لاحقا أنه وافق على شروط لم يقرأها أو لم يفهمها.
هل يمكن القول إن النظام أثبت موافقته؟
نعم، بالمعنى التقني قد يكون هناك سجل يدل على أنه ضغط الزر.
لكن السؤال الأهم:
هل يكفي الضغط
لإثبات الموافقة الواعية على كل ما ترتب عليه؟
كلما أصبحت المعاملات أكثر تعقيدا، يصبح الاعتماد على زر واحد لإثبات
الإرادة محل تساؤل.
فالإنسان لا يقرأ دائما الشروط الطويلة.
وقد لا يفهم المصطلحات القانونية.
وقد لا يعرف أن زر “استمرار” يعني في الحقيقة إنشاء التزام.
ومن هنا يجب ألا تتحول قابلية
تسجيل الفعل إلكترونيا إلى افتراض بأن الإنسان أدرك كل نتائجه.
الهاتف الذي تحول
إلى “مفتاح للإنسان”
هناك نتيجة أخرى لهذا التوسع.
عندما نربط:
الهوية بالحساب،
والحساب بالهاتف،
والهاتف بالرسائل،
والرسائل بالمصادقة،
والمصادقة بالمعاملات المالية والحكومية،
فإن الهاتف يصبح عمليا مفتاحا إلى
جزء كبير من الهوية الرقمية.
وهنا يصبح فقدان الهاتف أكثر من مشكلة شخصية.
قد يصبح حادثا يمس الهوية.
ولهذا يجب أن يكون هناك دائما مسار بديل آمن.
ليس من المقبول أن تكون القاعدة:
“إذا لم يكن هاتفك معك، فلا يمكنك إثبات أنك أنت.”
لأن هذه القاعدة تجعل الوسيلة تتحول إلى غاية.
الهوية لا ينبغي أن
تعتمد على قناة واحدة
الهوية القوية ليست بالضرورة الهوية التي تستخدم أكبر عدد من وسائل التحقق.
بل الهوية التي تستطيع أن تستمر
بأمان حتى عند فشل إحدى وسائلها.
فإذا فقد المواطن هاتفه، يجب أن يكون لديه طريق آمن آخر.
إذا فشلت مطابقة الوجه، يجب أن توجد آلية بديلة.
إذا تعارضت قاعدة بيانات، يجب أن توجد آلية للتحقيق.
إذا حدث خطأ في البصمة، يجب ألا يصبح المواطن “غير موجود”.
إذا تعرض حسابه للاختراق، يجب ألا يصبح فقدان الحساب فقدانا نهائيا لهويته.
هذه الفكرة تقودنا إلى مبدأ مهم:
المرونة جزء من أمن
الهوية، وليست مجرد خدمة إضافية.
ومن هنا تظهر أزمة
أكبر: ماذا يحدث عندما تفشل التكنولوجيا؟
نحن عادة نصمم الأنظمة على أساس أنها ستعمل.
لكن النظام الجيد يجب أن يصمم أيضا على أساس أنها قد تفشل.
قد تفشل الكاميرا.
قد تفشل البصمة.
قد لا تتعرف الخوارزمية على الوجه.
قد ينقطع الاتصال.
قد يتعطل الخادم.
قد تكون البيانات قديمة.
قد يكون الهاتف مفقودا.
قد يكون المواطن في مكان لا توجد فيه شبكة.
وقد يحدث تعارض بين نظامين.
السؤال الحقيقي ليس: “هل يمكن أن يحدث ذلك؟”
بل: “ماذا يحدث للمواطن عندما
يحدث؟”
إذا كان الجواب: “لا يمكننا خدمتك.”
فقد صممنا نظاما فعالا في الظروف الطبيعية، لكنه غير عادل في الظروف
الاستثنائية.
أما النظام الناضج فيجب أن يحتوي على مسار فشل آمن Safe Failure Path .
أي أن فشل التقنية لا يتحول تلقائيا إلى فقدان حق.
وهنا نصل إلى قاعدة أعتقد أنها يجب أن تكون أساس أي سياسة للهوية الرقمية:
النظام أداة لخدمة
الإنسان، وليس الإنسان ملحقا بالنظام.
إذا أخطأ النظام، يجب أن يكون من الممكن تصحيحه.
إذا فقد المواطن وسيلة التحقق، يجب أن توجد وسيلة بديلة.
إذا سرقت هويته، يجب أن يستطيع استعادتها.
إذا كانت البيانات خاطئة، يجب أن يستطيع الطعن فيها.
إذا نسبت إليه معاملة لم يقم بها، يجب ألا تكون قاعدة البيانات وحدها هي
القاضي والخصم والدليل في الوقت نفسه.
وهنا تحديدا تبدأ المسألة في الانتقال من الأمن السيبراني إلى العدالة
الرقمية.
والجزء التالي سيكون أكثر حساسية: من يتحمل عبء الإثبات؟ ومن يتحمل تكلفة الخطأ؟ وهل يجوز أن يكون المواطن
هو الطرف الأضعف أمام منظومة تمتلك بياناته وتملك أدوات التحقق وتملك سجلات المعاملات؟ وسنناقش
أيضا فكرة “الحق في هوية قابلة للاسترداد”، وماذا يعني أن تكون الهوية الرقمية
ملكا وظيفيا للنظام بينما آثارها تقع على الإنسان.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة
أ.د. السيد محمد كمال المغربيهذه المقال ستة أجزاء متكاملة
1-https://articlesinarabic.blogspot.com/2026/08/2026.html
2- https://articlesinarabic.blogspot.com/2026/08/blog-post_667.html
3- https://articlesinarabic.blogspot.com/2026/08/blog-post_155.html
4-https://articlesinarabic.blogspot.com/2026/08/blog-post_951.html
5- https://articlesinarabic.blogspot.com/2026/08/blog-post_559.html
6- https://articlesinarabic.blogspot.com/2026/08/blog-post_27.html