المشاركات

معضلة القطار... الخيار الثالث

صورة
تخيل أنك تقف بجوار محولة سكة حديد، وفجأة ترى قطارا مندفعا فقد سائقه السيطرة وتعطلت مكابحه . أمامه خمسة أشخاص مقيدون على القضبان، لا يستطيعون الحركة . وعلى سكة فرعية، يوجد طفل واحد مقيد لا يستطيع الحركة أيضا . أنت تقف بجوار العتلة التي تتحكم في تغيير مسار القطار، لكنك لست مخولا باتخاذ القرار . المعضلة الأصلية تضع أمامك خيارين، ولكن بما أنك فيزيائي، فأمامك ثلاثة خيارات، لكل منها عواقبه ومشكلاته الأخلاقية . الخيار الأول : ألا تتدخل . تترك القطار في مساره، فيصطدم بالأشخاص الخمسة، ويموتون جميعا، وفقا لافتراض المعضلة . يمكن النظر إلى موقفك من منظور أخلاقيات الواجب (Deontology) ، التي تعطي أهمية للمبادئ التي تحكم الفعل، وليس للنتائج وحدها . فالتدخل المتعمد لتحويل الخطر نحو شخص بريء يثير تساؤلا أخلاقيا حول مشروعية التضحية به، حتى لو كان ذلك لإنقاذ عدد أكبر . لكن آخرين قد يرون أن الامتناع عن التدخل، مع القدرة على تغيير النتيجة، يثير بدوره مسؤولية أخلاقية . وهكذا، لا يعني عدم التدخل بالضرورة غياب المعضلة أو الاتفاق على سلامة القرار . الخيار الثاني : أن تسحب العتلة . يتحول مسا...

أضواء زائفة في معبد العلم

صورة
  أضواء زائفة في معبد العلم في مقالي السابق، تناولت قضية جوهرية تتعلق بوعي الإنسان وحدود مسؤوليته عن التغيير، وذلك في مقال .. أين تنتهي مسؤوليتك؟ حكمة التخلي وحدود التغيير . وناقشت كيف يمكن للإصرار على تغيير واقع مختل أن يتحول، في غياب التقدير السليم للظروف والإمكانات، إلى استنزاف مستمر للطاقة والوقت، وأن التوقف أحياناً لا يعني الاستسلام، بل قد يكون تعبيراً عن النضج والقدرة على التمييز بين ما يستحق مواصلة السعي وما يستلزم إعادة النظر في الوسائل والأولويات. صورة لرمزية مولدة بواسطة Gemini وتتصل هذه الفكرة بما تناولناه في مقالي المنشور في سبتمبر 2026 حول أزمة التقييم الأكاديمي وتوظيف المعرفة ، وبما طرحته في مقال سابق يعود إلى يونيو 2018 ( المقال الثاني )، حيث تلتقي هذه الموضوعات عند سؤال أوسع عن العلاقة بين معايير التقييم، والغايات الحقيقية للعمل العلمي، وحدود قدرة الأفراد والمؤسسات على إصلاح منظومة قد تسهم بعض آلياتها في إعادة إنتاج الخلل. واليوم، نجد في المشهد الأكاديمي والبحثي نموذجاً عملياً لهذه المعضلة. فالمؤسسات التي تسعى إلى تحسين أوضاعها العلمية قد تجد نفسها، بمرور الوقت، من...

أزمة تقييم الأداء ومشكلة مؤشرات الأداء

صورة
أزمة تقييم الأداء ومشكلة مؤشرات الأداء "الجميع عباقرة.. ولكن إن حكمت على سمكة بقدرتها على تسلق شجرة، فستعيش حياتها كلها معتقدة أنها غبية." هذه المقولة، بصرف النظر عن نسبتها الشائعة، تلخص إشكالية جوهرية في تقييم الأداء: قد لا يكون الخلل دائما في أداء الشخص، وإنما قد يكون في المعيار الذي اختير للحكم على أدائه. وهذه المشكلة ليست مجرد انطباع إداري أو فلسفة نظرية، بل تناولتها أدبيات واسعة في قياس الأداء والإدارة العامة والإدارة الاستراتيجية. ففيما يعرف بـ قانون جودهارت (Goodhart's Law) ، تظهر مشكلة جوهرية عندما يتحول المؤشر الذي كان يفترض أن يكون وسيلة لقياس الأداء إلى هدف يسعى الأفراد إلى تحقيقه لذاته. وعند هذه النقطة قد تتغير العلاقة بين المؤشر والنتيجة الحقيقية التي كان يفترض أن يمثلها. ويتقاطع ذلك مع قانون كامبل (Campbell's Law) ، الذي يحذر من أن الاستخدام المكثف للمؤشرات الكمية في اتخاذ القرارات يمكن أن يؤدي إلى تشويه المؤشر نفسه والسلوك الذي يفترض أن يقيسه. ولم تبق هذه المشكلة في نطاق النظرية؛ فقد تناولها Bevan وHood في دراستهم المنشورة في Public Administration ، من ...

أزمة الهوية - الجزء الخامس

صورة
  أزمة الهوية الجزء الخامس عندما لا تكتفي المنظومة بالتعرف عليك، بل تبدأ في الحكم عليك حتى الآن افترضنا أن النظام الرقمي يقوم بوظيفة محددة: التعرف على الشخص والتحقق من هويته. لكن هذا ليس بالضرورة هو المستقبل الذي نتجه إليه. فالأنظمة الرقمية الحديثة لا تكتفي بجمع البيانات والتحقق منها، وإنما تستطيع تحليلها واستنتاج معلومات جديدة منها . وهنا تنتقل المشكلة من: “من أنت؟” إلى: “ماذا يعتقد النظام أنك عليه؟” وهذا انتقال هائل.   فالنظام قد يعرف أنك صاحب رقم معين. ثم يعرف معاملاتك. ثم يربطها بتاريخك. ثم يحلل أنماط استخدامك. ثم يستنتج مستوى المخاطر. ثم يتخذ قرارا. وهنا لم تعد القضية قضية هوية Identity فقط. بل أصبحت قضية تصنيف Profiling و اتخاذ قرار آلي Automated Decision-Making .   من إثبات الهوية إلى صناعة صورة عن الإنسان يمكن أن يكون لدى المواطن سجل رسمي يقول: اسمه كذا. رقمه كذا. تاريخ ميلاده كذا. عنوانه كذا.   لكن عندما تجمع المنظومة هذه البيانات مع بيانات أخرى، قد تنتج صورة جديدة: هذا الشخص كثير السفر. هذا الشخ...