معضلة القطار... الخيار الثالث
تخيل أنك تقف بجوار محولة سكة حديد، وفجأة ترى قطارا مندفعا فقد سائقه السيطرة
وتعطلت مكابحه. أمامه
خمسة أشخاص مقيدون على القضبان، لا يستطيعون الحركة.
وعلى سكة فرعية، يوجد طفل واحد مقيد لا يستطيع الحركة أيضا.
أنت تقف بجوار العتلة التي تتحكم في تغيير مسار القطار، لكنك لست مخولا
باتخاذ القرار.
المعضلة الأصلية تضع أمامك خيارين، ولكن بما أنك فيزيائي، فأمامك ثلاثة
خيارات، لكل منها عواقبه ومشكلاته الأخلاقية.
الخيار الأول: ألا تتدخل.
تترك القطار في مساره، فيصطدم بالأشخاص الخمسة، ويموتون جميعا، وفقا لافتراض
المعضلة.
يمكن النظر إلى موقفك من منظور أخلاقيات الواجب (Deontology)، التي تعطي أهمية للمبادئ التي تحكم الفعل، وليس للنتائج وحدها. فالتدخل المتعمد لتحويل الخطر نحو شخص بريء
يثير تساؤلا أخلاقيا حول مشروعية التضحية به، حتى لو كان ذلك لإنقاذ عدد أكبر.
لكن آخرين قد يرون أن الامتناع عن التدخل، مع القدرة على تغيير النتيجة،
يثير بدوره مسؤولية أخلاقية. وهكذا، لا يعني عدم التدخل بالضرورة غياب المعضلة أو الاتفاق على سلامة
القرار.
الخيار الثاني: أن تسحب العتلة.
يتحول مسار القطار إلى السكة الفرعية، فينجو الأشخاص الخمسة، بينما يقتل
الطفل.
يمكن الدفاع عن هذا القرار من منظور يركز على النتائج، إذ يؤدي إلى تقليل
عدد الضحايا. لكن
هذا المنظور لا ينهي النقاش؛ فهناك من يرى أن حياة الإنسان لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد
رقم في عملية حسابية، وأن إنقاذ الأكثرية لا يحسم وحده مسألة مشروعية تعريض شخص آخر
للخطر.
ومع ذلك، قد لا تسلم من تبعات قانونية ومهنية ومالية محتملة.
وقد تتباين ردود الفعل تجاه القرار بين من يركز على عدد الأرواح التي أنقذت،
ومن يركز على دور التدخل المباشر في وفاة الطفل.
الخيار الثالث: أن تبحث عن مسار ثالث.
بما أنك فيزيائي، تحاول دراسة حركة القطار والزمن المتبقي والقوى المؤثرة،
بحثا عن وسيلة قد تنقذ الأشخاص الستة، وربما تتوصل إلى احتمال لمسار ثالث لم يكن مطروحا
في البداية.
قد تنجح في إيجاد حل لم يكن مطروحا، لكن الوقت محدود، ولا يوجد ضمان لنجاح
المحاولة. كما
أن أي إجراء غير مختبر قد ينطوي على مخاطر إضافية، خصوصا عندما تكون حياة أشخاص على
المحك.
إذا نجحت، فقد ينظر إلى ما فعلته باعتباره حلا مبتكرا.
وإذا فشلت، فقد يتركز النقاش على مدى معقولية المخاطرة، والبدائل التي كانت
متاحة، والمعلومات التي امتلكتها وقت اتخاذ القرار.
وربما تواجه اتهامات بإتلاف المنشآت وتعريض الأرواح للخطر.
فالحل غير التقليدي ليس بالضرورة أفضل من الخيارات المعروفة، كما أن عدم
مألوفيته لا يجعله خطأ في حد ذاته؛ إنما يتوقف تقييمه على فرص نجاحه ومخاطره والوقت
المتاح لتطبيقه.
وهكذا تتعدد أبعاد المعضلة:
·
عدم التدخل: احترام حدود الصلاحية أو الامتناع عن فعل
قد يعد غير مشروع، مقابل احتمال ترك ضرر كان يمكن تفاديه.
·
التدخل لتغيير
المسار: تقليل
عدد الضحايا، مقابل التساؤل عن مشروعية تعريض شخص بعينه لخطر قاتل.
·
البحث عن حل
ثالث: محاولة تجاوز التعارض
بين الخيارين، مقابل مخاطر عدم اليقين وضيق الوقت واحتمال الفشل.
ولا يمكن اختزال هذه المواقف في أن أحد أصحابها شجاع والآخر جبان، أو أن
أحدهم حكيم والآخر متهور؛ فالحكم يتوقف على تفاصيل القرار والظروف التي اتخذ فيها.
والآن، تخيل أنك أنت من يقف بجوار العتلة...
أمامك ثوان لاتخاذ القرار، ولا تملك فرصة لاستشارة أحد.
1.
هل تترك القطار
في مساره، ملتزما بمبدأ عدم التدخل المباشر؟
2.
هل تحول مساره
لإنقاذ خمسة أشخاص، مع علمك بأن الطفل سيموت؟
3.
أم تحاول ابتكار
مسار ثالث لإنقاذ الجميع، رغم احتمال الفشل وضيق الوقت؟
اختر موقفك، ثم أخبرنا: لماذا اخترته؟
والأهم: هل سيتغير قرارك إذا كنت مسؤولا عن أرواح هؤلاء الأشخاص، أم إذا كنت مجرد
شخص صادف وجوده بجوار العتلة؟
وهل تحكم على القرار بما انتهى إليه، أم بما كان متاحا لصاحبه من معلومات
وبدائل لحظة اتخاذه؟
دعونا نناقش القرار وأسبابه، لا أن نحاكم بعضنا بسبب اختلاف الإجابات.
