أزمة تقييم الأداء ومشكلة مؤشرات الأداء
أزمة تقييم الأداء ومشكلة مؤشرات الأداء
"الجميع عباقرة.. ولكن إن حكمت على سمكة بقدرتها على تسلق شجرة، فستعيش حياتها كلها معتقدة أنها غبية."
هذه المقولة، بصرف النظر عن نسبتها الشائعة، تلخص إشكالية جوهرية في تقييم الأداء: قد لا يكون الخلل دائما في أداء الشخص، وإنما قد يكون في المعيار الذي اختير للحكم على أدائه.
وهذه المشكلة ليست مجرد انطباع إداري أو فلسفة نظرية، بل تناولتها أدبيات واسعة في قياس الأداء والإدارة العامة والإدارة الاستراتيجية. ففيما يعرف بـ قانون جودهارت (Goodhart's Law)، تظهر مشكلة جوهرية عندما يتحول المؤشر الذي كان يفترض أن يكون وسيلة لقياس الأداء إلى هدف يسعى الأفراد إلى تحقيقه لذاته. وعند هذه النقطة قد تتغير العلاقة بين المؤشر والنتيجة الحقيقية التي كان يفترض أن يمثلها. ويتقاطع ذلك مع قانون كامبل (Campbell's Law)، الذي يحذر من أن الاستخدام المكثف للمؤشرات الكمية في اتخاذ القرارات يمكن أن يؤدي إلى تشويه المؤشر نفسه والسلوك الذي يفترض أن يقيسه.
ولم تبق هذه المشكلة في نطاق النظرية؛ فقد تناولها Bevan وHood في دراستهم المنشورة في Public Administration، من خلال دراسة آثار أنظمة الأهداف ومؤشرات الأداء، بما في ذلك مشكلات القياس و"gaming"، أي تكيف السلوك مع متطلبات المؤشر بدلا من الهدف الأصلي للأداء. كما تناولت الدراسة بصورة مباشرة إشكالية فرض أهداف ومستويات أداء موحدة على مؤسسات تختلف في طبيعة مسؤولياتها.
كما خلص تقرير أكاديمي صادر عن مجموعة من الباحثين في مجال الإحصاء وقياس الأداء، من بينهم Sir David Cox، إلى أن مؤشرات الأداء إذا صممت أو استخدمت بصورة سيئة يمكن ألا تكون عديمة الفائدة فحسب، بل قد تؤدي إلى آثار ضارة، وأوصى بالنظر إلى الآثار الجانبية المحتملة لنظم القياس على سلوك الأفراد وأولوياتهم.
ومن منظور الإدارة الاستراتيجية، قدم Kaplan وNorton من خلال مفهوم Balanced Scorecard إطارا يقوم على النظر إلى الأداء من عدة أبعاد بدلا من اختزاله في مؤشرات محدودة، انطلاقا من أن أنظمة القياس نفسها تؤثر في سلوك المديرين والعاملين.
وتتوافق هذه الرؤية أيضا مع التوجهات الحديثة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي تشير إلى أن أنظمة الأهداف ينبغي أن تكون متوازنة ومتعددة الأبعاد، لأن التركيز الضيق على السرعة أو حجم الإنجاز، مثلا، قد يؤدي إلى تضحيات غير مقصودة في الجودة أو النتائج الفعلية.
ومن هنا تبدأ الكارثة عندما تصمم الإدارة مجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) الجامدة والنمطية، ثم تطبقها بالطريقة ذاتها على جميع الأفراد والأقسام، بصرف النظر عن اختلاف طبيعة أعمالهم، وأهدافهم، ودورات إنجازهم، ودرجة تعقيد المهام، ونوعية النتائج التي يمكن قياسها بصورة عادلة.
عندها قد يتحول ما كان يفترض أن يكون أداة لقياس الأداء وتحسينه إلى غاية يسعى الموظف إلى تحقيقها بذاتها. وقد يصبح من يجيد تحسين الرقم الظاهر في لوحة المؤشرات أكثر قدرة على اجتياز نظام التقييم من شخص يحقق قيمة فعلية أكبر، ولكنها لا تنعكس بصورة مباشرة في المؤشر.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أشياء كثيرا ما تختلط في أنظمة التقييم:
المؤشر ليس هو الأداء، والهدف ليس هو القيمة، والرقم ليس دائما الحقيقة الكاملة.
فعدد المنشورات، على سبيل المثال، ليس بالضرورة مرادفا لجودة البحث العلمي. وعدد المعاملات المنجزة ليس بالضرورة مرادفا لجودة الخدمة. وعدد ساعات العمل ليس بالضرورة مرادفا للإنتاجية. وعدد براءات الاختراع ليس بالضرورة مرادفا للأثر الابتكاري. وكذلك فإن انخفاض عدد الأخطاء قد لا يعني بالضرورة تحسن الأداء إذا كان سببه انخفاض حجم النشاط أو تجنب المهام الأكثر تعقيدا.
لذلك، فإن السؤال الصحيح عند تصميم نظام تقييم لا ينبغي أن يكون فقط:
"ما الرقم الذي نستطيع قياسه؟"
بل ينبغي أن يبدأ بالسؤال الأهم:
"ما النتيجة أو القيمة التي نريد قياسها فعلا؟ وهل المؤشر الذي اخترناه يمثلها تمثيلا صالحا وعادلا؟"
ومن ثم يأتي سؤال ثالث لا يقل أهمية:
"ماذا سيحدث لسلوك الأفراد إذا أصبح هذا المؤشر أساسا للمكافأة أو العقوبة؟"
فالمؤشر الجيد لا يقيس الأداء فقط؛ بل ينبغي أيضا أن يكون مصمما بحيث لا يدفع الأشخاص إلى التضحية بالهدف الحقيقي من أجل تحسين الرقم.
ولهذا فإن نظام التقييم الفعال لا يحتاج بالضرورة إلى عدد أكبر من مؤشرات الأداء، وإنما إلى مؤشرات أكثر ملاءمة للسياق، ومتعددة الأبعاد، وقابلة للمراجعة، مع مساحة للحكم المهني، وعدم اختزال الأداء المعقد في رقم واحد.
فالخطأ ليس في أن نقيس الأداء؛ فالعمل الذي لا يمكن قياسه بأي صورة يصبح من الصعب إدارته وتحسينه.
والخطأ يبدأ عندما ننسى أن المقياس وسيلة لفهم الأداء، ثم نتعامل معه باعتباره الأداء نفسه.
مع خالص تحياتي ، والتقدير لكل من يسعى إلى أن تكون مؤشرات الأداء وسيلة لفهم القيمة، لا بديلا عنها
مراجع للاستزادة
Bevan, G., & Hood, C. (2006). What's measured is what matters: Targets and gaming in the English public health care system. Public Administration, 84(3), 517–538. https://doi.org/10.1111/j.1467-9299.2006.00600.x
Bird, S. M., Cox, D. R., Farewell, V. T., Goldstein, H., Holt, T., & Smith, P. C. (2005). Performance indicators: Good, bad, and ugly. Journal of the Royal Statistical Society: Series A (Statistics in Society), 168(1), 1–27. https://doi.org/10.1111/j.1467-985X.2004.00333.x
Campbell, D. T. (1976). Assessing the impact of planned social change. Occasional Paper Series, No. 8. Evaluation Center, Western Michigan University.
Goodhart, C. A. E. (1975). Problems of monetary management: The UK experience. In Papers in Monetary Economics (Vol. 1). Reserve Bank of Australia.
Kaplan, R. S., & Norton, D. P. (1992). The balanced scorecard—Measures that drive performance. Harvard Business Review, 70(1), 71–79.
OECD. (2026). Serving Citizens 2026: Delivering Better Public Administrative Services. OECD Publishing, Paris. https://doi.org/10.1787/ecaa9c7e-en
#تقييم_الأداء
#مؤشرات_الأداء
#KPIs
#GoodhartsLaw
#CampbellsLaw
#PerformanceManagement
#PerformanceMeasurement
#البحث_العلمي
#تقييم_البحث_العلمي#ScientificResearch
#ResearchManagement